الشيخ أحمد فريد المزيدي

269

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وجوده بجنته وتحنّنه ، وكثرة أياديه ونعمه وإحسانه ، ورأفته ورحمته ، فلما عظمت المعرفة بذلك عظم القادر في قلوبهم ، فأجلّوه وهابوه وأحبّوه ، واستحيوا منه ، وخافوه ورجوه ، فقاموا بحقه ، واجتنبوا كل ما نهى عنه ، وأعطوه المجهود من قلوبهم وأبدانهم ، أزعجهم على ذلك ما استقر في قلوبهم من عظيم المعرفة بعظيم قدره ، وقدر ثوابه وعقابه ، فهم أهل الخاصة من أوليائه ، فلذلك قيل : فلان باللّه عارف ، وفلان باللّه عالم ، لما رأوه مجلا ، هائبا ، راهبا ، راجيا ، طالبا ، مشتاقا ، ورعا ، متقيا ، باكيا ، حزينا ، خاضعا ، متذللا ، فلما ظهرت منهم هذه الأخلاق عرف المسلمون أنهم باللّه أعرف وأعلم من عوامّ المسلمين ، وكذلك وصفهم اللّه ، فقال سبحانه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . وقال داود عليه السلام : « إلهي ما علم من لم يخشك » . فالمعرفة التي فضّلت بها الخاصة على العامة هي عظيم المعرفة ، فإذا عظمت المعرفة بذلك واستقرت ولزمت القلوب صارت يقينا قويا ، فكملت حينئذ أخلاق العبد ، وتطهّر من الأدناس ، فنال به عظيم المعرفة بعظيم القدر والجلال ، والتذكر والتفكر في الخلق ، كيف خلقهم ، وأتقن صنعتهم ، وفي المقادير كيف قدرها ، فاتسقت على الهيئات التي هيّأها ، والأوقات التي وقتها ، وفي الأمور كيف دبّرها على إرادته ومشيئته ، فلم يمتنع منها شيء عن المضي على إرادته ، والاتساق على مشيئته « 1 » . سئل الجنيد رضي اللّه عنه عن المعرفة هل هي كسب أو ضرورة ؟ فقال : رأيت الأشياء تدرك بشيئين ، فما كان منها حاضرا فبالحس ، وما كان غائبا فبالدليل ، ولما كان الحق تعالى غير باد لحواسنا كان معرفته بالدليل والفحص ؛ إذ كنا لا نعلم الغيب والغائب إلا بالدليل ، ولا نعلم الحاضر إلا بالحسّ « 2 » . قال الجنيد : كثرة النظر في الباطن تذهب بمعرفة الحق من القلب « 3 » . سئل الجنيد رحمه اللّه إلى أين تنتهي عبادة أهل المعرفة باللّه عز وجلّ ؟ فقال : إلى الظفر بنفوسهم ، نصّب الحق لهم أعمال أدلة العمال ، فوقفوا مع ما له دون التعريج على ما لهم ، فشوق إليهم الأنبياء ، وانتسب بهم الأولياء ، وسبحت لهم الملائكة ، فتركوا ما لهم ووقفوا

--> ( 1 ) النص من الحلية لأبي نعيم ( 10 / 257 ) . ( 2 ) انظر : طبقات الشعراني الكبرى ( 1 / 86 ) . ( 3 ) انظر : شذرات الذهب لابن العماد ( 2 / 228 ) .